عبد القادر الجيلاني

129

فتوح الغيب

--> - والميت مع الغاسل . فهذا مما [ في نسخة : ما ] لم يأمر اللّه به ولا رسوله ، بل هذا محرّم ، وإن عفي عن صاحبه ، وحسب صاحبه أن يعفى عنه لاجتهاده وحسن قصده . أما [ في نسخة : إما ] كونه يحمد على ذلك ، ويجعل هذا أفضل المقامات فليس الأمر كذلك ، وكونه مجردا عن هواه ليس مسوّغا له أن يستسلم لكل ما يفعل به . ثم يقال : الأمور مع هذا نوعان : أحدهما : أن يفعل به بغير اختياره ، كما يحمل الإنسان ولا يمكنه الامتناع . وكما تضجع المرأة قهرا وتوطأ . فهذا لا إثم فيه باتّفاق العلماء . وأمّا [ في نسخة : وإما ] أن يكره بالإكراه الشرعي حتى يفعل ، فهذا أيضا معفو عنه في الأفعال عند الجمهور ، وهو أصحّ الروايتين عن أحمد لقوله تعالى : وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ النور : 33 ] . وأمّا إذا لم يكره الإكراه الشرعي فاستسلامه للفعل المطلق الذي لا يعرف أخير هو أم شر ؟ ليس هو مأمورا به ، وإن جرى على يده خرق عادة ، أو لم يجر ، فليس هو مأمورا أن يفعل إلا ما هو خير عند اللّه ورسوله . قيل : هذا السؤال صحيح ، وحقيقة الأمر : أن السالكين إذا وصلوا إلى هذا المقام فيحسن قصدهم وتسليمهم وخضوعهم لربهم ، وطلبهم منه أن يختار لهم ما هو الأصلح ، إذا استعملوا في أمر وهم [ في نسخة : أمورهم ] لا يعرفون حكمه في الشرع رجوا أن يكون خيرا ، لأن معرفتهم بحكمه قد تتعذر [ في نسخة : تعذرت ] عليهم ، والإنسان غير عالم في كل حال بما هو الأصلح له في دينه ، وبما هو أرضى للّه [ في نسخة : رضا اللّه ] ورسوله . فيبقى حالهم حال المستخير للّه فيما لم يعلم عاقبته ، إذا قال : « اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علّام الغيوب . اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسّره لي ، ثم بارك لي فيه . وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ، فاصرفه عنّي واصرفني عنه ، وأقدر لي الخير حيث كان ، ثم رضّني به » [ البخاري ( 1109 ) ] . فإذا استخار اللّه كان ما شرح له صدره وتيسّر له من الأمور هو الذي اختاره اللّه له ، إذ لم يكن معه دليل شرعيّ على أن عين هذا الفعل هو مأمور به في هذه الحال ، فإن الأدلة الشرعية إنما تأمر بأمر مطلق عام ، لا بعين كل فعل من كل فاعل ، إذ كان هذا ممتنعا ، وإن كان ذلك المعين يمكن إدراجه تحت بعض خطاب الشارع العام ، إذا كانت الأفراد المعينة داخلة تحت الأمر العام الكليّ ، لكن لا يقدر كل أحد على استحضار هذا ، ولا على استحضار أنواع الخطاب . ولهذا كان الفقهاء يعدلون إلى القياس عند خفاء ذلك عليهم . ثم القياس أيضا قد لا يحصل في كل واقعة ، فقد يخفى على الأئمة المجتهدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، دخول الواقعة المعيّنة تحت خطاب عامّ ، أو اعتبارها بنظير لها ، فلا يعرف -